حفلت ربى شنقيط الطيبة وعبر محطات تاريخية متعاقبة بعلماء عاملين ودعاة مصلحين رفعوا شعار الإصلاح ومنابذة الباطل وواجهوا الواقع بكل تجلياته ومنحنياته حاملين هم مجتمعهم ساعين للتغيير .
ونعني بالإصلاح ذلك الجهد التغييري الذي يسعى إلى إعادة خطاب الشرع وهيبته في واقع الناس وحياتهم , ونحن إذ نعرض لجوانب من حياة أولئك المصلحين والطبيعة الإصلاحية للحركات التي قادوها فإنما نقدم رموزا كانوا معالم طريق ومنارات علم ونماذج قدوة وجهاد , وقمما سامقة للعطاء الفكري والعلمي والسياسي والجهادي في هذه الربوع التي رووها بدمائهم الزكية وسطروها مآثر خالدة بمداد يراعهم في عناق صميم بين السيف والقلم شكل ثنائية فذة ظلت مستعصية على معاول الهدم وسياجا صلبا منيعا في وجه كل دخيل .
وسنحاول بحول الله معالجة هذا الموضوع من خلال المباحث التالية :
1. الحركة الإصلاحية المرابطية
2. حركة ناصر الدين الإصلاحية
3. دور الحركة الإسلامية المعاصرة في جهود الإصلاح
أولا : الحركة الإصلاحية للإمام ناصر الدين
ظهرت هذه الحركة المباركة بقيادة الإمام ناصر الدين في النصف الأول من القرن الأول الهجري تهدف إلى تغيير الأوضاع الفاسدة , واستبدالها بأوضاع جديدة تصلح ما فسد .
فقد أحس الإمام ناصر الدين بالوضعية التي آل إليها هذا المجتمع : من ظلم واستبداد فرفع أهدافا طموحة : كإنشاء دولة إسلامية تجمع الشتات وتوحد الهدف , وتدعو إلى نشر العدالة , ورفع الظلم ومحاربة التعامل مع الأوربيين خاصة في مجال تجارة الرقيق
وقد نشأ مؤسس هذه الدولة صالحا تقيا عفيفا صواما قواما جوادا كريما يعطف على الفقراء والمستضعفين . وكان يعتمد على القرآن والسنة وكان شديد التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان يعقد مجلسا للحديث بعد صلاة الظهر , وقد استطاع بحيويته وإيمانه بقضيته توحيد معظم القبائل , وإقناعهم بضرورة التغيير , وبعد أن كثر أتباعه بايعه أهل الحل والعقد في تلك المنطقة فعبأ أتباعه حول برنامج يومي يرمي إلى إشاعة العدالة وتصحيح المعتقدات , وبعد بنائه للجبهة الداخلية وتربيتها على التضحية والجهاد وسع دائرة دعوته فأرسل رسائل ومبعوثين إلى أمراء الممالك الزنجية المجاورة يدعوهم إلى التوبة والالتزام بأحكام الإسلام والعدل في الرعية .
ثم شرع في القتال الفعلي وخاض معارك مظفرة ضد مانعي الزكاة وقد استمرت ثلاثين سنة [1055-1085] م وقد استشهد الإمام نفسه في وقعة : ترتلاس سنة 1085م
وقد تضافرت عوامل كثيرة في الداخل والخارج عملت على إجهاض هذه الدعوة وهذه الدولة : من ضمنها ما تولد من شعور مناوئ لدى كل من الفرنسيين والمغافرة حيث كان الفرنسيون في السينغال ينظرون بعين الريبة إلى أصحاب هذه الحركة الذين أبدوا ضربا من التحفظ في التعامل معهم خصوصا في مسألة الرقيق لاعتقادهم أنها ظلم وانتهاك لحرمة الإنسان , كما كان لتبشير تلك الحركة بمشروع إسلامي جديد مغاير وقع شديد أيضا على القبائل الحسانية التي رأت فيها تهديدا لسلطتها السياسية فبدأت تتربص بهذه الحركة الدوائر وتتحين الفرص .
ورغم أن هذه الدعوة قد أجهضت فقد جددت التوبة وأحيت روح الجهاد وذكرت بفريضة نصب الإمام , وأبقت جذوة الإصلاح والتغيير كامنة في النفوس قابلة للإذكاء في كل وقت .
ثانيا: الحركة الإصلاحية للمرابطين
عانت بلاد المغرب وما أصبح يعرف اليوم بموريتانيا الحالية{صنهاجة الصحرى, بلاد الملثمين سابقا} من تمزق سياسي وفتن دينية وانحرافات عقدية خطيرة إثر سقوط دولة الأدارسة العلوية { التي قامت بالمغرب حوالي 172هـ وما تلاها من حروب حول اقتسام مناطق النفوذ بين الأمويين في الأندلس والعبيديين المتلقبين كذبا وزورا بالفاطميين في المنطقة حيث قامت يومها في المغرب عدة إمارات متناحرة فيما بينها وفي هذه الأجواء البالغة التعقيد كان الميلاد المبارك للدولة المرابطية في القرن الخامس الهجري تلك الدولة التي امتدت رقعتها من منحنى نهر النيجر في الجنوب وحتى المتوسط في الشمال .
وقد كان للفقيه عبد الله ابن ياسين أبلغ الأثر في نشأة ورعاية هذه الحركة الإصلاحية واستطاع بما توفر له من مزايا وما وهبه الله من إخلاص تحقيق الآمال التي ساورت يحى بن ابراهيم الكدالي ، وهكذا استطاع جمع كلمة المسلمين ولمَ شعثهم وإقامة حلف قوي بل دولة مبسوطة الأطراف عزيزة الجانب .
مكان الرباط : لما لقي عبد الله بن ياسين المضايقة كاد ييأس إلا أن يحي بن ابراهيم قال له : . ثم قال له ولكن يا سيدي هل لك في رأي أشير به عليك إن كنت تريد الآخرة ؛قال ما هو قال : إن هاهنا في بلدنا جزيرة في البحر ندخل إليها فنعيش فيها ، فقال عبد الله هذا أحسن فهلمَ بنا ندخلها باسم الله تعالى وأبني بها رباطا .
وقد وصفت هذه الجزيرة بأن فيها الحلال المحض الذي لاشك فيه من شجر البرية وصيد البر والبحر من أصناف الطير والوحش والحوت [رجح بعض المؤرخين أنها جزيرة تيدره التي تقع بين العاصمة وانواذيب فوق رأس تيمرس على بعد 270 كلم تقريبا شمال العاصمة] وسرعان ما أقبل الناس أفواجا على الرباط .
وقد انتهج ابن ياسين خطا متشددا في شروط قبول المرابط وكان يتردد طويلا قبل ضم المريد إلى رباطه فإذا وافق على دخوله ألزمه أن يطهر روحه من الدنس والرجس وأن يسلم إسلاما جديدا ثم أمر الإمام ابن ياسين المرابطين بعد أن وصلوا إلى اثني عشر ألف مقاتل بالجهاد , وهذا تطور طبيعي لهذه الدعوة التي بثها والرسالة التي اطلع بها فأنذر وحذر وأرسل الدعاة إلى القبائل يحضون على الطاعة, ويحذرون الناس, ويخوفونهم من النار, ويرغبونهم في الجنة فلما يئس من هدايتهم قال لمعشر المرابطين " قد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم فأوجب عليكم أن تشكروا نعمه عليكم وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في سبيل الله حق جهاده " ثم قال لهم " أخرجوا على بركة الله تعالى وأنذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وأبلغوهم حجته فإن تابوا وأنابوا فخلوا سبيلهم وإن أبوا وتمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنا بالله عليهم وجاهدناهم "
ويذكر المؤرخون أن أول من غزاه المرابطون هو قبيلة اكدالة التي سبق أن ثارت على تعاليم ابن ياسين حين هزمها جيش المرابطين فاعتنقت الإسلام الصحيح , ثم تقدموا فاجتاحوا لمتونة , ومسوفة ولما رأت القبائل خضوع هذه الثلاث التي عرفت بقوتها وحدة شوكتها . أذعنت وتتابع دخولها في حركة المرابطين .
وهكذا قام صرح الدولة المرابطية على ثالوث قبلي هو [ لمتونة, واكدالة , ومسوفة] واستطاعت هذه القبائل بعد أن تم تحالفها أن ترفع لواء الإسلام في أقاصي الصحراء وأن تخرج من ديارها مجاهدة عاملة على إحياء الإسلام ونشره فتم لها ما أرادت من سؤدد وتأسست دولة المرابطين التي كانت ملء سمع الزمان وبصره .
مميزات دولة المرابطين
وقد تميزت دعوة المرابطين بمميزات نلخصها فيما يلي:
1. الفهم الشمولي للإسلام
2. الشورى حين أقام ابن ياسين مجلسا شوريا
3. القيام بفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
4. تنظيم النواحي المالية على أسس شرعية
5. إقامة الحدود دون تمييز بين شريف ووضيع
6. الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى
أثر قيام دولة المرابطين
استطاعت الدولة المرابطية الجمع بين المغرب والأندلس وأن تبسط نفوذها حتى إقليم السنغال والنيجر , وجمعت بين المؤثرات الأندلسية والمغربية
واستطاعت هذه الدولة الناشئة القضاء على السياسة البابوية بإثارة حرب صليبية بالمغرب , ونجحوا في الحيلولة بين ممالك الأندلس وبين المساهمة في الحملات الصليبية التي نظمت للاستيلاء على بيت المقدس فقد كان المرابطون يقفون لهم بالمرصاد إذ كانوا يناوشونهم ويهددون بلادهم , ولا يكفون عن غزوهم ومحاربتهم , ويرى بعض الدارسين أنه لولا قيام دولة المرابطين في ذلك الوقت بالذات لكان النجاح الذي أحرزته الحملات الصليبية في الشرق أبعد أثرا ولا استطاعت القوى الأوربية كلها أن تنصرف بكليتها إلى معركة الشرق .
ثالثا: دور الحركة الإسلامية المعاصرة في جهود الإصلاح
الحركة الإسلامية في موريتانيا لم تكن منبتة من الجذور بل كانت امتدادا لدعوات الإصلاح التي مرت بنا
وهكذا مع بدء نشوء الدولة الموريتانية المعاصرة بدأ أيضا رواد الحركة الإسلامية يأخذون دورهم في توجيه سفينة المجتمع نحو بر الأمان , وكان ذلك رغم طغيان الموجة اليسارية والمد القومي
ففي منتصف السبعينات نجد أصوات الأئمة ترتفع آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر
1- ففي أول بداية لتبلور الخطاب الإسلامي بمعناه المعاصر وفي أول بداية لظهور التيار الإسلامي في موريتانيا بمعناه المنظم تطالعنا وثيقة موقعة باسم [جماعات المساجد]بتاريخ 25/7/1975تطالب بالمطالب التالية:
- أن يكون الإسلام هو دين عضو الجمعية الوطنية وذلك هو احترام إرادة الأكثرية
- جعل دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية هو دستور المسلمين [القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف]
- تنقية برامج التعليم وخصوصا مادة الفلسفة مما يخالف ديننا الحنيف
- زيادة قيمة ووقت مادة الدين خصوصا في باب المعاملات
- ترجمة بعض الكتب التي تعطي صورة حية عن سماحة الشريعة الإسلامية إلى الفرنسية لتمكن المثقفين بهذه اللغة من التعرف على دينهم الحنيف
2. وفي سنة 1977 م أ صدرت [جماعة المساجد] بيانا جديدا كان عنوانه : صرخة استغاثة تناولت فيه الوضع الذي وصفته بالسوء وفساد الأخلاق والانحراف عن الإسلام وعددت مظاهره في :
- تعليم الفلسفة الإلحادية
- إرسال الطلاب للدول الملحدة قبل رسوخ العقيدة والسلوك الإسلاميين الصحيحين فيهم
- فتح الباب لدخول الكتب والمجلات التي تهدم الإسلام ........
- جمع الذكور والإناث بعد البلوغ وفي عنفوان الشباب في فصل واحد
- السماح بظهور المناكر كبضائع مشروعة البيع والشراء من خمر ولحم خنزير .......
3. المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية :
قبل نهاية حكم الأستاذ المختار ولد داداه في 10يوليو 1978م كان هذا النظام قد أعلن عن نيته في تطبيق الشريعة الإسلامية وبغض النظر عن الملابسات التي أعلن فيها القرار فإن الدعاة الإسلاميين لم يخفوا مطالبتهم المحمومة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فقد تحرك العلماء والدعاة لمحاربة القوانين الوضعية وكانت المحكمة العليا تحت سلطة غير المسلمين وكان القانون وضعيا بالكامل الأمر الذي أثار العلماء فأعلنوا في الناس أن الحكم بهذه القوانين وتفضيلها على شريعة الله ردة عن الإسلام وأنه لا يجوز الاستمرار في هذه الوضعية وقاد الحملة إلى جانب العلماء مجموعة من الشباب وثقت رابطتها وكثفت جهودها ونتيجة لهذا الجهاد الموطد ذي الأهداف الواضحة المحددة ونتيجة لتجاوب الشعب المسلم مع هذه الدعوة فقد تحققت الأهداف في وقت قصير وبدون تكاليف وأعلن قرار تطبيق الشريعة الإسلامية من جديد في 19/10/1979م
4. وفي السياق نفسه أعلن الإسلاميون وبشكل صريح معارضتهم لما سمي حينها : دستور ولد ابنيجارة وهو دستور علماني أوضح الإسلاميون مآخذهم عليه من خلال رسالة مفتوحة موجهة للمقدم محمد خونا ولد هيدالة رئيس الدولة حينها
5. الموقف من قانون إصلاح التعليم
خلال شهر ابريل من سنة 1999م صادقت الحكومة على مشروع قانون متعلق بإصلاح النظام التربوي الوطني وهو قانون مثير للجدل باعتبار أنه يهمش اللغة العربية والتربية الإسلامية ويدفع بالبلاد نحو الافرنكفو نية والتغريب ورغم أن قوى عديدة قومية , وسياسية أصدرت بيانات تحدد موقفها منه إلا أن الإسلاميين بشكل خاص كانوا ضده وأصدروا وثيقة من ثلاث صفحات باللغتين العربية والفرنسية بتاريخ 13/4/1999م والوثيقة موقعة من طرف 20شخصية إسلامية أغلبها من سلك التعليم أساتذة ثانويون . مفتشون , أساتذة جامعيون .
6. الموقف من التطبيع مع اليهود
كان هذا الموقف يتطور حسب جديد التطبيع مع الصهاينة فبعد الاجتماع الشهير بين وزير الخارجية الموريتاني واليهودي في مدريد سنة 1995م أصدر الإسلاميون بيانا بتاريخ 12/6/1995م ووزع على نطاق واسع في نواكشوط ومن ما جاء فيه : لم يعد خافيا الآن مستوى الانحطاط والاستسلام الذي أصبحت فيه غالبية أنظمة العرب والمسلمين ولم يعد خافيا كذلك خطر المد اليهودي في المنطقة والاختراق الصهيوني لمختلف دولها وآخر حلقة في هذا السياق لقاء مدريد المشئوم بين نظام يبحث عن كل وسائل الدعم الخارجي مهما كانت , وكيان همه البحث عن المزيد من الأصدقاء .......
وعندما قرر النظام التطبيع بشكل نهائي مع الصهاينة فإن الموقف هنا كان أشد وقد ترجم في شكل بيان صادر بتاريخ 10/11/1999م وقعته هذه المرة شخصيات إسلامية [أئمة , أساتذة , محامون , نقابيون . واعتبر البيان أن الأمر مرفوض طبقا لأحكام الدين وثوابته ومرفوض بناء على مصالح البلد وأمن المنطقة
تواصلت مقاومة التطبيع بالفتاوى والتجمعات الاحتجاجية ومختلف مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية .
إن دور الحركة الإسلامية في إصلاح المجتمع الموريتاني والوقوف في وجه منكرات السلطة ومنكرات الشعب لم يقف عند هذا الحد – حد الانتقاد السلبي- وإنما كانت هناك أعمال ميدانية شهدها القاصي والداني تتمثل في فتح مدارس لمحو الأمية عن طريق المؤسسات الإسلامية وكفالة مآت الأيتام وتعليم الشباب أمر دينهم وإحياء المساجد و إعمارها بالعلم والعمل
وذلك رغم المعوقات والمكائد التي تلاحقت على مسيرة العمل الإسلامي
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
والله أكبر ولله الحمد
ونعني بالإصلاح ذلك الجهد التغييري الذي يسعى إلى إعادة خطاب الشرع وهيبته في واقع الناس وحياتهم , ونحن إذ نعرض لجوانب من حياة أولئك المصلحين والطبيعة الإصلاحية للحركات التي قادوها فإنما نقدم رموزا كانوا معالم طريق ومنارات علم ونماذج قدوة وجهاد , وقمما سامقة للعطاء الفكري والعلمي والسياسي والجهادي في هذه الربوع التي رووها بدمائهم الزكية وسطروها مآثر خالدة بمداد يراعهم في عناق صميم بين السيف والقلم شكل ثنائية فذة ظلت مستعصية على معاول الهدم وسياجا صلبا منيعا في وجه كل دخيل .
وسنحاول بحول الله معالجة هذا الموضوع من خلال المباحث التالية :
1. الحركة الإصلاحية المرابطية
2. حركة ناصر الدين الإصلاحية
3. دور الحركة الإسلامية المعاصرة في جهود الإصلاح
أولا : الحركة الإصلاحية للإمام ناصر الدين
ظهرت هذه الحركة المباركة بقيادة الإمام ناصر الدين في النصف الأول من القرن الأول الهجري تهدف إلى تغيير الأوضاع الفاسدة , واستبدالها بأوضاع جديدة تصلح ما فسد .
فقد أحس الإمام ناصر الدين بالوضعية التي آل إليها هذا المجتمع : من ظلم واستبداد فرفع أهدافا طموحة : كإنشاء دولة إسلامية تجمع الشتات وتوحد الهدف , وتدعو إلى نشر العدالة , ورفع الظلم ومحاربة التعامل مع الأوربيين خاصة في مجال تجارة الرقيق
وقد نشأ مؤسس هذه الدولة صالحا تقيا عفيفا صواما قواما جوادا كريما يعطف على الفقراء والمستضعفين . وكان يعتمد على القرآن والسنة وكان شديد التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم , وكان يعقد مجلسا للحديث بعد صلاة الظهر , وقد استطاع بحيويته وإيمانه بقضيته توحيد معظم القبائل , وإقناعهم بضرورة التغيير , وبعد أن كثر أتباعه بايعه أهل الحل والعقد في تلك المنطقة فعبأ أتباعه حول برنامج يومي يرمي إلى إشاعة العدالة وتصحيح المعتقدات , وبعد بنائه للجبهة الداخلية وتربيتها على التضحية والجهاد وسع دائرة دعوته فأرسل رسائل ومبعوثين إلى أمراء الممالك الزنجية المجاورة يدعوهم إلى التوبة والالتزام بأحكام الإسلام والعدل في الرعية .
ثم شرع في القتال الفعلي وخاض معارك مظفرة ضد مانعي الزكاة وقد استمرت ثلاثين سنة [1055-1085] م وقد استشهد الإمام نفسه في وقعة : ترتلاس سنة 1085م
وقد تضافرت عوامل كثيرة في الداخل والخارج عملت على إجهاض هذه الدعوة وهذه الدولة : من ضمنها ما تولد من شعور مناوئ لدى كل من الفرنسيين والمغافرة حيث كان الفرنسيون في السينغال ينظرون بعين الريبة إلى أصحاب هذه الحركة الذين أبدوا ضربا من التحفظ في التعامل معهم خصوصا في مسألة الرقيق لاعتقادهم أنها ظلم وانتهاك لحرمة الإنسان , كما كان لتبشير تلك الحركة بمشروع إسلامي جديد مغاير وقع شديد أيضا على القبائل الحسانية التي رأت فيها تهديدا لسلطتها السياسية فبدأت تتربص بهذه الحركة الدوائر وتتحين الفرص .
ورغم أن هذه الدعوة قد أجهضت فقد جددت التوبة وأحيت روح الجهاد وذكرت بفريضة نصب الإمام , وأبقت جذوة الإصلاح والتغيير كامنة في النفوس قابلة للإذكاء في كل وقت .
ثانيا: الحركة الإصلاحية للمرابطين
عانت بلاد المغرب وما أصبح يعرف اليوم بموريتانيا الحالية{صنهاجة الصحرى, بلاد الملثمين سابقا} من تمزق سياسي وفتن دينية وانحرافات عقدية خطيرة إثر سقوط دولة الأدارسة العلوية { التي قامت بالمغرب حوالي 172هـ وما تلاها من حروب حول اقتسام مناطق النفوذ بين الأمويين في الأندلس والعبيديين المتلقبين كذبا وزورا بالفاطميين في المنطقة حيث قامت يومها في المغرب عدة إمارات متناحرة فيما بينها وفي هذه الأجواء البالغة التعقيد كان الميلاد المبارك للدولة المرابطية في القرن الخامس الهجري تلك الدولة التي امتدت رقعتها من منحنى نهر النيجر في الجنوب وحتى المتوسط في الشمال .
وقد كان للفقيه عبد الله ابن ياسين أبلغ الأثر في نشأة ورعاية هذه الحركة الإصلاحية واستطاع بما توفر له من مزايا وما وهبه الله من إخلاص تحقيق الآمال التي ساورت يحى بن ابراهيم الكدالي ، وهكذا استطاع جمع كلمة المسلمين ولمَ شعثهم وإقامة حلف قوي بل دولة مبسوطة الأطراف عزيزة الجانب .
مكان الرباط : لما لقي عبد الله بن ياسين المضايقة كاد ييأس إلا أن يحي بن ابراهيم قال له : . ثم قال له ولكن يا سيدي هل لك في رأي أشير به عليك إن كنت تريد الآخرة ؛قال ما هو قال : إن هاهنا في بلدنا جزيرة في البحر ندخل إليها فنعيش فيها ، فقال عبد الله هذا أحسن فهلمَ بنا ندخلها باسم الله تعالى وأبني بها رباطا .
وقد وصفت هذه الجزيرة بأن فيها الحلال المحض الذي لاشك فيه من شجر البرية وصيد البر والبحر من أصناف الطير والوحش والحوت [رجح بعض المؤرخين أنها جزيرة تيدره التي تقع بين العاصمة وانواذيب فوق رأس تيمرس على بعد 270 كلم تقريبا شمال العاصمة] وسرعان ما أقبل الناس أفواجا على الرباط .
وقد انتهج ابن ياسين خطا متشددا في شروط قبول المرابط وكان يتردد طويلا قبل ضم المريد إلى رباطه فإذا وافق على دخوله ألزمه أن يطهر روحه من الدنس والرجس وأن يسلم إسلاما جديدا ثم أمر الإمام ابن ياسين المرابطين بعد أن وصلوا إلى اثني عشر ألف مقاتل بالجهاد , وهذا تطور طبيعي لهذه الدعوة التي بثها والرسالة التي اطلع بها فأنذر وحذر وأرسل الدعاة إلى القبائل يحضون على الطاعة, ويحذرون الناس, ويخوفونهم من النار, ويرغبونهم في الجنة فلما يئس من هدايتهم قال لمعشر المرابطين " قد أصلحكم الله تعالى وهداكم إلى صراطه المستقيم فأوجب عليكم أن تشكروا نعمه عليكم وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر وتجاهدوا في سبيل الله حق جهاده " ثم قال لهم " أخرجوا على بركة الله تعالى وأنذروا قومكم وخوفوهم عقاب الله وأبلغوهم حجته فإن تابوا وأنابوا فخلوا سبيلهم وإن أبوا وتمادوا في غيهم ولجوا في طغيانهم استعنا بالله عليهم وجاهدناهم "
ويذكر المؤرخون أن أول من غزاه المرابطون هو قبيلة اكدالة التي سبق أن ثارت على تعاليم ابن ياسين حين هزمها جيش المرابطين فاعتنقت الإسلام الصحيح , ثم تقدموا فاجتاحوا لمتونة , ومسوفة ولما رأت القبائل خضوع هذه الثلاث التي عرفت بقوتها وحدة شوكتها . أذعنت وتتابع دخولها في حركة المرابطين .
وهكذا قام صرح الدولة المرابطية على ثالوث قبلي هو [ لمتونة, واكدالة , ومسوفة] واستطاعت هذه القبائل بعد أن تم تحالفها أن ترفع لواء الإسلام في أقاصي الصحراء وأن تخرج من ديارها مجاهدة عاملة على إحياء الإسلام ونشره فتم لها ما أرادت من سؤدد وتأسست دولة المرابطين التي كانت ملء سمع الزمان وبصره .
مميزات دولة المرابطين
وقد تميزت دعوة المرابطين بمميزات نلخصها فيما يلي:
1. الفهم الشمولي للإسلام
2. الشورى حين أقام ابن ياسين مجلسا شوريا
3. القيام بفرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
4. تنظيم النواحي المالية على أسس شرعية
5. إقامة الحدود دون تمييز بين شريف ووضيع
6. الجهاد لإعلاء كلمة الله تعالى
أثر قيام دولة المرابطين
استطاعت الدولة المرابطية الجمع بين المغرب والأندلس وأن تبسط نفوذها حتى إقليم السنغال والنيجر , وجمعت بين المؤثرات الأندلسية والمغربية
واستطاعت هذه الدولة الناشئة القضاء على السياسة البابوية بإثارة حرب صليبية بالمغرب , ونجحوا في الحيلولة بين ممالك الأندلس وبين المساهمة في الحملات الصليبية التي نظمت للاستيلاء على بيت المقدس فقد كان المرابطون يقفون لهم بالمرصاد إذ كانوا يناوشونهم ويهددون بلادهم , ولا يكفون عن غزوهم ومحاربتهم , ويرى بعض الدارسين أنه لولا قيام دولة المرابطين في ذلك الوقت بالذات لكان النجاح الذي أحرزته الحملات الصليبية في الشرق أبعد أثرا ولا استطاعت القوى الأوربية كلها أن تنصرف بكليتها إلى معركة الشرق .
ثالثا: دور الحركة الإسلامية المعاصرة في جهود الإصلاح
الحركة الإسلامية في موريتانيا لم تكن منبتة من الجذور بل كانت امتدادا لدعوات الإصلاح التي مرت بنا
وهكذا مع بدء نشوء الدولة الموريتانية المعاصرة بدأ أيضا رواد الحركة الإسلامية يأخذون دورهم في توجيه سفينة المجتمع نحو بر الأمان , وكان ذلك رغم طغيان الموجة اليسارية والمد القومي
ففي منتصف السبعينات نجد أصوات الأئمة ترتفع آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر
1- ففي أول بداية لتبلور الخطاب الإسلامي بمعناه المعاصر وفي أول بداية لظهور التيار الإسلامي في موريتانيا بمعناه المنظم تطالعنا وثيقة موقعة باسم [جماعات المساجد]بتاريخ 25/7/1975تطالب بالمطالب التالية:
- أن يكون الإسلام هو دين عضو الجمعية الوطنية وذلك هو احترام إرادة الأكثرية
- جعل دستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية هو دستور المسلمين [القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف]
- تنقية برامج التعليم وخصوصا مادة الفلسفة مما يخالف ديننا الحنيف
- زيادة قيمة ووقت مادة الدين خصوصا في باب المعاملات
- ترجمة بعض الكتب التي تعطي صورة حية عن سماحة الشريعة الإسلامية إلى الفرنسية لتمكن المثقفين بهذه اللغة من التعرف على دينهم الحنيف
2. وفي سنة 1977 م أ صدرت [جماعة المساجد] بيانا جديدا كان عنوانه : صرخة استغاثة تناولت فيه الوضع الذي وصفته بالسوء وفساد الأخلاق والانحراف عن الإسلام وعددت مظاهره في :
- تعليم الفلسفة الإلحادية
- إرسال الطلاب للدول الملحدة قبل رسوخ العقيدة والسلوك الإسلاميين الصحيحين فيهم
- فتح الباب لدخول الكتب والمجلات التي تهدم الإسلام ........
- جمع الذكور والإناث بعد البلوغ وفي عنفوان الشباب في فصل واحد
- السماح بظهور المناكر كبضائع مشروعة البيع والشراء من خمر ولحم خنزير .......
3. المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية :
قبل نهاية حكم الأستاذ المختار ولد داداه في 10يوليو 1978م كان هذا النظام قد أعلن عن نيته في تطبيق الشريعة الإسلامية وبغض النظر عن الملابسات التي أعلن فيها القرار فإن الدعاة الإسلاميين لم يخفوا مطالبتهم المحمومة بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية فقد تحرك العلماء والدعاة لمحاربة القوانين الوضعية وكانت المحكمة العليا تحت سلطة غير المسلمين وكان القانون وضعيا بالكامل الأمر الذي أثار العلماء فأعلنوا في الناس أن الحكم بهذه القوانين وتفضيلها على شريعة الله ردة عن الإسلام وأنه لا يجوز الاستمرار في هذه الوضعية وقاد الحملة إلى جانب العلماء مجموعة من الشباب وثقت رابطتها وكثفت جهودها ونتيجة لهذا الجهاد الموطد ذي الأهداف الواضحة المحددة ونتيجة لتجاوب الشعب المسلم مع هذه الدعوة فقد تحققت الأهداف في وقت قصير وبدون تكاليف وأعلن قرار تطبيق الشريعة الإسلامية من جديد في 19/10/1979م
4. وفي السياق نفسه أعلن الإسلاميون وبشكل صريح معارضتهم لما سمي حينها : دستور ولد ابنيجارة وهو دستور علماني أوضح الإسلاميون مآخذهم عليه من خلال رسالة مفتوحة موجهة للمقدم محمد خونا ولد هيدالة رئيس الدولة حينها
5. الموقف من قانون إصلاح التعليم
خلال شهر ابريل من سنة 1999م صادقت الحكومة على مشروع قانون متعلق بإصلاح النظام التربوي الوطني وهو قانون مثير للجدل باعتبار أنه يهمش اللغة العربية والتربية الإسلامية ويدفع بالبلاد نحو الافرنكفو نية والتغريب ورغم أن قوى عديدة قومية , وسياسية أصدرت بيانات تحدد موقفها منه إلا أن الإسلاميين بشكل خاص كانوا ضده وأصدروا وثيقة من ثلاث صفحات باللغتين العربية والفرنسية بتاريخ 13/4/1999م والوثيقة موقعة من طرف 20شخصية إسلامية أغلبها من سلك التعليم أساتذة ثانويون . مفتشون , أساتذة جامعيون .
6. الموقف من التطبيع مع اليهود
كان هذا الموقف يتطور حسب جديد التطبيع مع الصهاينة فبعد الاجتماع الشهير بين وزير الخارجية الموريتاني واليهودي في مدريد سنة 1995م أصدر الإسلاميون بيانا بتاريخ 12/6/1995م ووزع على نطاق واسع في نواكشوط ومن ما جاء فيه : لم يعد خافيا الآن مستوى الانحطاط والاستسلام الذي أصبحت فيه غالبية أنظمة العرب والمسلمين ولم يعد خافيا كذلك خطر المد اليهودي في المنطقة والاختراق الصهيوني لمختلف دولها وآخر حلقة في هذا السياق لقاء مدريد المشئوم بين نظام يبحث عن كل وسائل الدعم الخارجي مهما كانت , وكيان همه البحث عن المزيد من الأصدقاء .......
وعندما قرر النظام التطبيع بشكل نهائي مع الصهاينة فإن الموقف هنا كان أشد وقد ترجم في شكل بيان صادر بتاريخ 10/11/1999م وقعته هذه المرة شخصيات إسلامية [أئمة , أساتذة , محامون , نقابيون . واعتبر البيان أن الأمر مرفوض طبقا لأحكام الدين وثوابته ومرفوض بناء على مصالح البلد وأمن المنطقة
تواصلت مقاومة التطبيع بالفتاوى والتجمعات الاحتجاجية ومختلف مظاهر التضامن مع القضية الفلسطينية .
إن دور الحركة الإسلامية في إصلاح المجتمع الموريتاني والوقوف في وجه منكرات السلطة ومنكرات الشعب لم يقف عند هذا الحد – حد الانتقاد السلبي- وإنما كانت هناك أعمال ميدانية شهدها القاصي والداني تتمثل في فتح مدارس لمحو الأمية عن طريق المؤسسات الإسلامية وكفالة مآت الأيتام وتعليم الشباب أمر دينهم وإحياء المساجد و إعمارها بالعلم والعمل
وذلك رغم المعوقات والمكائد التي تلاحقت على مسيرة العمل الإسلامي
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
والله أكبر ولله الحمد
المصدر : المنار








